أرجوك… إضغط Like

Facebook-Like-Button

بقلمي المتواضع/ أحمد قريش

قبل عدة شهور وبينما كنت أتصفح البرنامج صاحب الشهرة الكبيرة (فيسبوك)، لفت نظري أن أحد الأصدقاء قد كتب موضوعا يتحدث فيه عن رأيه في أمر ما. كان أسلوبه في الطرح علميا وبأدلة من عدة مصادر. تنوعت الردود على موضوعه بين مؤيد ومحايد ومعارض. وكان في كل مرة يوضع فيها تعليق على موضوعه. يسارع بالضغط على زر (Like) حتى وإن كان رأي المعلق يخالف رأيه تماما. وبعد ضغطه للزر يسارع بالرد كعادته بالطريقة العلمية. كثر النقاش حول الموضوع وصار بين أخذ ورد حتى وصل النقاش لدرجة أن بعض المعلقين بدأ بالتخوين والإتهام ورشق الكاتب بسيل من الإنتقادات العنيفة. ولكن….. لفت نظري تعليق كان كاتبه يتسائل عن (لماذا لا تضع فيسبوك زر I don’t like أو bad)  حتى يتسنى لهم ابداء عدم اعجابهم بمحتوى الموضوع. فعلا….. هل فاتت الفيسبوك مثل هذه الخطوة؟ لماذا لم تضف ذلك الزر ووضعت فقط زر الإعجاب المتمثل في شعار إصبع الإبهام للأعلى؟.

وصلت لدرجة من الفضول أجبرتني على مراسلة إدارة الفيسبوك. فكانت إجابتهم بأن عدم وضعهم لشعار (لم يعجبني) أو (dislike) هو لأنهم يدعمون الإيجابية. ويريدون أن يشعر المشاركون بإيجابية مشاركاتهم. بالرغم من أن بعض المشاركات لا تستحق الإعجاب.

أعجبت جدا بالرد وبدأت أسأل نفسي. لماذا لا يكون مجتمعنا مجتمعا إيجابيا ينتقد بإيجابية وموضوعية. ينتقد للبناء ولا ينتقد لمجرد الهدم والتثبيط.

لعلك موظف مثلي في إحدى الشركات. تعمل طوال العام بجد واجتهاد. وتحاول أن تكون أحد أفضل الموظفين. وما إن ترتكب خطأ ولو كان بسيطا حتى يبدأ رئيسك برميك بسيل من التهم واللوم على هذا الخطاء دون ذكر إيجابياتك طوال عام كامل.

حتى على الصعيد العائلي. نميل دائما لمعاقبة أبنائنا لخطأ ارتكب. ولا نسعى لمكافأتهم لفعل حسن قاموا به. لعله لأن العقاب (ببلاش) والمكافأة (مكلفة).

مؤسساتنا الإجتماعية لم تسلم من (dislike) أيضا. أفراد المجتمع يتجاهلون كل الجهود والإيجابيات ويغمضون عنها عيونهم. بل لا يفكرون بشيء قليل من المديح المشجع. ولكنهم يتسابقون على جلد هذه المؤسسات بمجرد أن ترتكب خطأ صغيرا كان أم كبيرا. ثم يرد عليك البعض بالمقولة التي لا أؤمن بها (غلطة الشاطر بألف).

دعونا نكون أكثر إيجابية في تعاملاتنا. قبل أن تنتقد، إضغط زر الإعجاب (Like) واسرد الإيجابيات ثم انتقل للنقاط التي تحتاج إلى تصحيح بطريقة لبقة تشجع الطرف الآخر على تقبل نقدك ليبدأ بالعمل على تدارك أخطائه وهفواته. واحذر جلده و تعنيفه منذ أول كلمة، فلن تصلح الكسر بمطرقة.

في حياتنا، لسنا بحاجة لزر (Dislike). نحن بحاجة للإيجابية المعتدلة التي لا تصل لحد الإطراء المنبوذ. 

نحن بحاجة لأن نضغط على زر (Like) على مايعجبنا. ومحاولة تصحيح وتقويم مانراه خطأ بدلا من (البربرة) في مواقع التواصل الاجتماعي والمجالس دون البحث عن حلول لمشاكلنا.

إذا أعجبك الموضوع. أرجوك إضغط (Like).

Facebook-Like-Button

دقيقة تأمل – 13/04/2015

بدر الشبيب

بقلم: بدر الشبيب

كل مستكبر هو بالضرورة مصاب بالعمى المركب، لأنه لا يرى ويرى أنه يرى. إذ كل رؤية مجانبة للواقع هي في واقعها لا رؤية، بخاصة مع إصرار صاحبها على أنها الرؤية الصحيحة، وأن غيرها باطل لا ريب فيه.

الاستكبار من أخطر الأمراض فتكا بالإنسان ودين الإنسان. وهو سير على خطى عدو الإنسان الأول الذي استكبر على أمر ربه وأبى أن يكون مع الساجدين، لأنه كان يرى نفسه خيرا من آدم (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).  

والمستكبر بسبب تضخم الذات عنده لا يستمع لأحد، وينظر لغيره نظرة احتقار وازدراء، فيرى أنهم ليسوا أهلا للإنصات، بل ليسوا أهلا للخير واتباع الحق، بل إن إيمانهم بأمر دليل على عدم حقانية ذلك الأمر. ولذلك فإن المستكبر في حالة تسافل دائم، ولا يمكنه أن يعرج في مدارج الكمال أبدا (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ).

لنتأمل في قوله تعالى عن قوم نوح: (فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ)، فهم يرون في نبي الله نوح (عليه السلام) بشرا عاديا، ولا يرون جانبه الغيبي المرتبط بالوحي، ويحتقرون أتباعه وفكرهم لأنهم لا ينتمون إلى طبقتهم الاجتماعية، وكأن الفكر حكر عليهم، ولا يرون أي ميزة أو فضيلة لأولئك عليهم، فهم يرون أنه لا أحد يعلو عليهم.

إنه كما قلنا العمى المركب، أو بحسب التعبير القرآني (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) كما جاء في الآية التالية في جواب نوح للمستكبرين ورده على رؤيتهم العمياء: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ).

عقولكم التي تحبونها (2)

بدر الشبيب

بدر الشبيب
10-04-2015

ورد عن رسول الله (ص): قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له.

لو سألت أي أحد: هل تحب عقلك؟ فإن الجواب سيكون بالإيجاب بكل تأكيد. ولكنك لو انتقلت إلى أسئلة أكثر تحديدا، فستكتشف أمرا مختلفا عند الكثيرين. فمثلا لو سألت: ماذا تعرف عن الدماغ البشري وإمكاناته وقدراته؟ وما الذي يميزه عن الأدمغة الأخرى؟ أو: كم تنفق على عقلك مقارنة بمعدتك؟ فإن محصلة الإجابات ستكون صادمة وصاعقة.

لعل أفضل معيار للتعرف على مدى علاقتنا بعقولنا سلبا أو إيجابا يتلخص في أمرين:

الأول: سعينا للتعرف عليها بصورة أعمق لفهم ماهيتها ومكنوناتها وحدودها ومجالاتها وطرائق عملها، وما يطلقها أو يقيدها ويعيقها، وكيفية الاستفادة القصوى منها في جعل حياتنا أكثر رشدا ونبلا.

الثاني: التزامنا بمعطياتها ونتائجها على مستوى الفكر والسلوك.

إذا أخضعنا مجتمعاتنا في العالم الثالث للفحص بحسب المعيار الأول، فسنجدها بحسب منجزاتها العلمية على هذا الصعيد متخلفة جدا. فكل الاكتشافات الحديثة عن الدماغ البشري هي ذات مصدر غربي. ونحن في ذلك عيال عليهم، ننبهر بأعمالهم، دون أن نكون فيها من المساهمين.

عن طريقهم عرفنا بأن دماغ الإنسان يزن بين 1300-1400 غرام تقريبا، وأن 75% من تكوينه من الماء، وأنه لا يتوقف لحظة عن العمل حتى في أثناء النوم، وأنه يستهلك 20% من أكسجين الجسم، وأنه يتكون مما يقرب من 100 مليار خلية عصبية، تتصل مع بعضها بصورة عجيبة. يقول د. أنور حمدي في كتابه (الدماغ إبداع وإعجاز) عن تلك التوصيلات: لو تخيلنا أن التقنية في يوم من الأيام سوف تمكننا من استبدال الوصلات العصبية الرفيعة جدا بأسلاك نحاسية تعادلها في دقة القطر!! لوجدنا عندها أن طول أسلاك النحاس التي يجب أن توجد في دماغ إنسان واحد هو طول هائل!! حيث إنه بإمكان أسلاك النحاس هذه، أن تمتد ما بين الأرض والشمس ( 93 مليون ميل) ليس مرة واحدة أو مرتين بل أكثر من (23500) مرة !!.

وعن طريقهم عرفنا أيضا أن الدماغ يتكون من شقين: أيمن وأيسر، وأن لكل واحد منهما وظائفه المحددة التي يتكامل فيها مع الآخر. الأيسر يتعامل مع المنطق والأرقام والتحليل وأجزاء الصورة، والأيمن مع الخيال والألوان والمشاعر والصورة الكبيرة. فالجانبان -كما يقول مؤلف كتاب (عقل جديد كامل)- يعملان معا في تناغم وانسجام؛ كقسمين من فريق أوركسترا، سوف يبدو عزفه بشعا لو أن أحدهما جمع آلاته وانصرف.

وهو ما ينبغي مراعاته على المستوى العملي في حياتنا، أي إعمال كلا النصفين من الدماغ. فقوة التخيل في الجانب الأيمن لا تقل أهمية عن قوة المنطق في الأيسر، إن لم تتفوق عليها.

” في أولمبياد عام 1980، قام الفريق الروسي باستخدام طريقة التدريب هذه، فقسم الفريق عشوائيا إلى أربع مجموعات: المجموعة الأولى: 100% تدريب تقليدي جسدي. المجموعة الثانية: 75% تدريب تقليدي جسدي، و25% تدريب عقلي أو تخيلي. المجموعة الثالثة: 50% تدريب تقليدي جسدي، و50% تدريب عقلي أو تخيلي. المجموعة الرابعة: 25% تدريب تقليدي جسدي، و75% تدريب عقلي أو تخيلي. والنتيجة كانت أن المجموعة الرابعة حققت أكبر قدر من أوسمة الفوز”.

وللحديث بقية..

دمتم بحب .. جمعة مباركة .. أحبكم جميعا.

دقيقة تأمل 08/04/2015

بدر الشبيب

بقلم الأستاذ: بدر الشبيب

8-4-2015

المريض يفكر أكثر ما يفكر بالشفاء والعافية. يدعو لنفسه بها، ويلتمس من الآخرين الدعاء له، ويبذل من أجل عودة صحته الغالي والنفيس. والسجين أكثر ما يشغل باله إطلاق سراحه ونيل حريته، ليعود لممارسة حياته بشكل طبيعي كما الآخرين.

فلماذا حين جاءت لحظة الفرج المرتقبة، وفُتح باب السجن لذلك السجين الذي لبث في السجن بضع سنين، امتنع عن الخروج، وفضّل البقاء فيه، مشترطا تبين حال التهمة التي وجهت إليه وسُجن على أساسها؟

يقول تعالى في شأنه: (وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ).

فبرغم سنوات السجن المرة، وبرغم شوقه الفطري للحرية، كان في اللحظة الحاسمة قادرا على اتخاذ القرار الصائب المبني على قيمه ومبادئه. فلم يكن مأخوذا بنشوة الإفراج عنه بحيث يتخلى ولو للحظة عن تلك القيم والمبادئ. وهذا سلوك لا يقدر عليه إلا أصحاب النفوس الكبيرة والهمم العالية الذين لا تغيب مبادئهم وقيمهم عنهم أبدا.

إن التأمل في رد يوسف (عليه السلام) على رسول الملك يكشف عن بعض الجوانب العظيمة في شخصيته الكريمة. فهو لم يذكر امرأة العزيز التي كانت وراء الاتهام الباطل له وتشويه سمعته، ومن ثم إدخاله السجن ظلما وعدوانا وبقائه فيه شطرا من عمره الشريف، وإنما اكتفى بالإرشاد إلى دليل براءته الدامغ، مؤكدا على يقينه الثابت بعلم الله بكيد النسوة اللاتي قطعن أيديهن.

لم يكن مهما عنده أن يخرج من السجن بأي ثمن. بل كان يسعى للخروج بشهادة براءته الكاشفة عن نقاء سيرته، إدراكا منه لأهمية ذلك في استمرار مهمته الرسالية في مجتمعه.

في لحظات الاختيار الصعبة تتبين معادن الناس، فيفترقون بين منفعل ينسيه انفعاله كل شيء سوى الحدث الراهن، وبين فاعل لا يستغرقه ذلك الحدث، لأنه يبقى في كل الحالات مستغرقا في قيمه.

 

 

دقيقة تأمل – الإرادة

بدر الشبيب

بدر الشبيب 7-4-2015

أن يستبد بك الظمأ، فتشتهي قطرة من الماء تبل بها الجفاف المكتظ في فمك، ثم تبلغ النهر، فيغريك منظره العذب وماؤه الأعذب أن تشربه كله لو استطعت، وأن تغمر كل خلية منك فيه؛ ولكنك تقرر فجأة أن لا تشرب، أو أن تأخذ منه غُرفة واحدة فقط لا تسد رمق ظمئك، ولكنها شربة المضطر.

هذا ليس خيالا، بل هو حقيقة تحدث عنها القرآن الكريم في قصة طالوت وقومه: (فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ).

نفر قليل نجحوا في الامتحان العسير، فما الذي مكنهم من اجتيازه؟ الجواب يمكن أن يكون في ثلاثة أمور:

حضور سلم القيم لديهم. فهؤلاء لديهم قيم تحكم سلوكهم، وهي مرتبة حسب أولويتها وأهميتها، مما يجعل قرار الاختيار ممكنا وإن كان يبدو مستحيلا. فالقيمة الأعلى مقدمة على الأدنى منها رتبة في حال التزاحم.

 حضور المستقبل الغائب في أذهانهم، لأنهم بقوة الخيال يصلون إليه ويعيشون فيه وإن كان بعيدا. وبالتالي لا تستغرقهم اللحظة الراهنة، فالآجل الذي لم يأتِ بعد لا يغيب عن أبصار بصائرهم.

حضور الإيمان الراسخ بغاياتهم المنشودة، وأنها تستحق التضحية فعلا.

الإرادة هي التي تجعل الإنسان إنسانا، وهي سر تميزه عن غيره من المخلوقات، وقوتها سر نجاح الناجحين.

إنحناء نخلة

نخلة

إنهما النخلتان الباسقتان.  ها هما تذبلان وتنحنيان. وتبدأ سعفاتهما الخضر بالاصفرار. نسمات الهواء الناعمة. كفيلة بإسقاط سعفة في كل يوم. وأنا ليس لي إلا الوقوف وعد هذه السعفات. لأجد بأن جزءا منها تمثل سنين عمري التي قضيتها تحت ظلهما. تسقط بعدها دمعاتي لتروي تلك النخلتين. علهما تعودان نخلتين شامختين. أنظر بعدها للأعلى. إلى ماتبقى من سعفاتها. فيصيبني الخوف والوجل الذي يؤرق منامي في كل ليلة. أعود بعد أيام لنفس الفعل. لأجد بأن ماسقط من سعفات أصبح في ازدياد. وانحنت النخلتان راكعتين حتى لكأنهما تلامسان الأرض.

جدتاي. واحدة لأبي والأخرى ﻷمي. هاهما تعيشان أيام أرذل العمر. وتبدأ شمسهما بالأفول. قاتل هو الشعور بقرب الظلام. مؤلم هو النوم وأنت تعلم أنهما تصارعان الوجع.
جدتي لأبي. مذ عرفتها ولسانها لهج بذكر خالقها. لاتجيد إلا قراءة كتاب الله. اسأل سور الكتاب عن عدد المرات التي مرت عليها. اسأل سكون الفجر عن صوتها وهي تقرأ دعاء الصباح.
في كل صباح كنت أرى يديها متكأتين على كرسي القرآن و نظارتها مرخية على أنفها. أما اليوم فأراها تضع إحدى يديها بين خدها والوسادة والأخرى على طرف سريرها.  ولازال لسانها لهج بذكر الله.

جدتي لأمي.سيدة الكبرياء والعظمة. حنونة بقدر قسوتها. عشت معها سنين عمري الستة والثلاثين. لا أكاد أفارقها أكثر من يومين حتى أعود لتقبيل رأسها المصبوغ بالحناء. تعاتبني على غيابي بقسوة. ولكن سرعان ماتعود لتقبيلي عشر قبل اعتدتها. وبين كل قبلة وأخرى تشم خدي لتشعرني بقدر حبها لي.
اليوم. لاتسمع منها سوى صوت أنفاسها المتعبة. مستلقية على سريرها الأبيض بلا حراك. عينان غائرتان. جسد نحيل. كل يوم يمر عليها يسرق من عمرها سنينا. في آخر زيارة لي. دخلت عليها غرفتها التي قضت فيها أجمل سنين حياتها. كانت تنظر ناحية الجدار. قبلت رأسها وناديتها (أماه). فما سمعت غير الأنفاس تناديني وبقيت تنظر للجدار وكأن حديثا يدور بينهما. أمسكت يدها فأحسست بدفئ حنانها. وخرجت والقلب ينزف دموعا أجبرتني على السكوت والدخول في حالة ذهول وحزن.

جدتاي. أشتاق لكل قطعة حلوى كنتما تخبئانها لي. لكأس الحليب الساخن بالزعفران. لدرس الصلاة . أشتاق لقلقكما علي أثناء غيابي.
ماحيلتي. وماعساي أفعل. وأنا الذي لا أملك لكما نفعا سوى الدعاء.
إنهما النخلتان الباسقتان. كلما إزداد انحناؤهما ازداد وجعي وأنيني. وزاد اشتياقي وحنيني.