دقيقة تأمل 08/04/2015

بقلم الأستاذ: بدر الشبيب

8-4-2015

المريض يفكر أكثر ما يفكر بالشفاء والعافية. يدعو لنفسه بها، ويلتمس من الآخرين الدعاء له، ويبذل من أجل عودة صحته الغالي والنفيس. والسجين أكثر ما يشغل باله إطلاق سراحه ونيل حريته، ليعود لممارسة حياته بشكل طبيعي كما الآخرين.

فلماذا حين جاءت لحظة الفرج المرتقبة، وفُتح باب السجن لذلك السجين الذي لبث في السجن بضع سنين، امتنع عن الخروج، وفضّل البقاء فيه، مشترطا تبين حال التهمة التي وجهت إليه وسُجن على أساسها؟

يقول تعالى في شأنه: (وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ).

فبرغم سنوات السجن المرة، وبرغم شوقه الفطري للحرية، كان في اللحظة الحاسمة قادرا على اتخاذ القرار الصائب المبني على قيمه ومبادئه. فلم يكن مأخوذا بنشوة الإفراج عنه بحيث يتخلى ولو للحظة عن تلك القيم والمبادئ. وهذا سلوك لا يقدر عليه إلا أصحاب النفوس الكبيرة والهمم العالية الذين لا تغيب مبادئهم وقيمهم عنهم أبدا.

إن التأمل في رد يوسف (عليه السلام) على رسول الملك يكشف عن بعض الجوانب العظيمة في شخصيته الكريمة. فهو لم يذكر امرأة العزيز التي كانت وراء الاتهام الباطل له وتشويه سمعته، ومن ثم إدخاله السجن ظلما وعدوانا وبقائه فيه شطرا من عمره الشريف، وإنما اكتفى بالإرشاد إلى دليل براءته الدامغ، مؤكدا على يقينه الثابت بعلم الله بكيد النسوة اللاتي قطعن أيديهن.

لم يكن مهما عنده أن يخرج من السجن بأي ثمن. بل كان يسعى للخروج بشهادة براءته الكاشفة عن نقاء سيرته، إدراكا منه لأهمية ذلك في استمرار مهمته الرسالية في مجتمعه.

في لحظات الاختيار الصعبة تتبين معادن الناس، فيفترقون بين منفعل ينسيه انفعاله كل شيء سوى الحدث الراهن، وبين فاعل لا يستغرقه ذلك الحدث، لأنه يبقى في كل الحالات مستغرقا في قيمه.

 

 

Advertisements

لاتبخل علي بتعليق، فأنا مستمر بكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s