دقيقة تأمل 27/04/2015

إحدى السنن التاريخية التي يذكرها القرآن الكريم هي تلك المتعلقة بالعقاب التربوي للأمم التي تكذب رسلها وتختار سبيل الغي على سبيل الرشاد. يقول تعالى: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ).

وفي هذا تتجلى رحمة الله التي وسعت كل شيء. فبرغم أنهم عبيده الذين لا حول لهم ولا قوة إلا به (وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً)، وهم يعصونه ويخالفون أوامره ونواهيه؛ وبرغم قدرته المطلقة على إلجائهم للإيمان أو أخذهم بالعذاب غير المردود، إلا أنه تعالى يمدهم بالفرصة بعد الفرصة، وينبههم بالعقوبات المتتالية لعلهم يستيقظون من رقدتهم، ويؤوبون إلى ربهم.

يا لحلم الله العظيم!! نتقلب فيه ليل نهار، ولكننا عنه غافلون. لا نؤدي شكره، ولا نسعى للتخلق به. لنتأمل في كلمات أحد أدعية الإمام زين العابدين (ع)، وهو يخاطب ربه جل وعلا في خشوع: أَنا الَّذِي أَمْهَلْتَنِي فَما ارْعَوَيْتُ، وَسَتَرْتَ عَلَيَّ فَما اسْتَحْيَيْتُ، وَعَمِلْتُ بِالمَعاصِي فَتَعَدَّيْتُ، وَأَسْقَطْتَنِي مِنْ عَيْنِكَ فَما بالَيْتُ. فَبِحِلْمِكَ أَمْهَلْتَنِي، وَبِسِتْرِكَ سَتَرْتَنِي، حَتَّى كَأَنَّكَ أغْفَلْتَنِي، وَمِنْ عُقُوباتِ المَعاصِي جَنَّبْتَنِي، حَتَّى كَأَنَّكَ اسْتَحْيَيْتَنِي.

لم يهلك الله آل فرعون فور ارتكابهم العصيان والطغيان، مع استحقاقهم لذلك، ولكنه أمهلهم وأنزل بساحتهم بعض العقوبات التربوية لعلها تؤثر فيهم وتجعلهم يعيدون حساباتهم. يقول تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) والمقصود بالسنين في الآية الجدب والقحط. ثم لما لم يرتدعوا شدد عليهم العقوبات لعلهم ينتبهون (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ).

فالعقاب التربوي ينبغي أن يكون متدرجا تصاعديا مصحوبا بنفَس طويل، وهو ما نفتقده للأسف في ممارساتنا التربوية.

Advertisements

دقيقة تأمل – 13/04/2015

بقلم: بدر الشبيب

كل مستكبر هو بالضرورة مصاب بالعمى المركب، لأنه لا يرى ويرى أنه يرى. إذ كل رؤية مجانبة للواقع هي في واقعها لا رؤية، بخاصة مع إصرار صاحبها على أنها الرؤية الصحيحة، وأن غيرها باطل لا ريب فيه.

الاستكبار من أخطر الأمراض فتكا بالإنسان ودين الإنسان. وهو سير على خطى عدو الإنسان الأول الذي استكبر على أمر ربه وأبى أن يكون مع الساجدين، لأنه كان يرى نفسه خيرا من آدم (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).  

والمستكبر بسبب تضخم الذات عنده لا يستمع لأحد، وينظر لغيره نظرة احتقار وازدراء، فيرى أنهم ليسوا أهلا للإنصات، بل ليسوا أهلا للخير واتباع الحق، بل إن إيمانهم بأمر دليل على عدم حقانية ذلك الأمر. ولذلك فإن المستكبر في حالة تسافل دائم، ولا يمكنه أن يعرج في مدارج الكمال أبدا (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ).

لنتأمل في قوله تعالى عن قوم نوح: (فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ)، فهم يرون في نبي الله نوح (عليه السلام) بشرا عاديا، ولا يرون جانبه الغيبي المرتبط بالوحي، ويحتقرون أتباعه وفكرهم لأنهم لا ينتمون إلى طبقتهم الاجتماعية، وكأن الفكر حكر عليهم، ولا يرون أي ميزة أو فضيلة لأولئك عليهم، فهم يرون أنه لا أحد يعلو عليهم.

إنه كما قلنا العمى المركب، أو بحسب التعبير القرآني (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) كما جاء في الآية التالية في جواب نوح للمستكبرين ورده على رؤيتهم العمياء: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ).

عقولكم التي تحبونها (2)

بدر الشبيب
10-04-2015

ورد عن رسول الله (ص): قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له.

لو سألت أي أحد: هل تحب عقلك؟ فإن الجواب سيكون بالإيجاب بكل تأكيد. ولكنك لو انتقلت إلى أسئلة أكثر تحديدا، فستكتشف أمرا مختلفا عند الكثيرين. فمثلا لو سألت: ماذا تعرف عن الدماغ البشري وإمكاناته وقدراته؟ وما الذي يميزه عن الأدمغة الأخرى؟ أو: كم تنفق على عقلك مقارنة بمعدتك؟ فإن محصلة الإجابات ستكون صادمة وصاعقة.

لعل أفضل معيار للتعرف على مدى علاقتنا بعقولنا سلبا أو إيجابا يتلخص في أمرين:

الأول: سعينا للتعرف عليها بصورة أعمق لفهم ماهيتها ومكنوناتها وحدودها ومجالاتها وطرائق عملها، وما يطلقها أو يقيدها ويعيقها، وكيفية الاستفادة القصوى منها في جعل حياتنا أكثر رشدا ونبلا.

الثاني: التزامنا بمعطياتها ونتائجها على مستوى الفكر والسلوك.

إذا أخضعنا مجتمعاتنا في العالم الثالث للفحص بحسب المعيار الأول، فسنجدها بحسب منجزاتها العلمية على هذا الصعيد متخلفة جدا. فكل الاكتشافات الحديثة عن الدماغ البشري هي ذات مصدر غربي. ونحن في ذلك عيال عليهم، ننبهر بأعمالهم، دون أن نكون فيها من المساهمين.

عن طريقهم عرفنا بأن دماغ الإنسان يزن بين 1300-1400 غرام تقريبا، وأن 75% من تكوينه من الماء، وأنه لا يتوقف لحظة عن العمل حتى في أثناء النوم، وأنه يستهلك 20% من أكسجين الجسم، وأنه يتكون مما يقرب من 100 مليار خلية عصبية، تتصل مع بعضها بصورة عجيبة. يقول د. أنور حمدي في كتابه (الدماغ إبداع وإعجاز) عن تلك التوصيلات: لو تخيلنا أن التقنية في يوم من الأيام سوف تمكننا من استبدال الوصلات العصبية الرفيعة جدا بأسلاك نحاسية تعادلها في دقة القطر!! لوجدنا عندها أن طول أسلاك النحاس التي يجب أن توجد في دماغ إنسان واحد هو طول هائل!! حيث إنه بإمكان أسلاك النحاس هذه، أن تمتد ما بين الأرض والشمس ( 93 مليون ميل) ليس مرة واحدة أو مرتين بل أكثر من (23500) مرة !!.

وعن طريقهم عرفنا أيضا أن الدماغ يتكون من شقين: أيمن وأيسر، وأن لكل واحد منهما وظائفه المحددة التي يتكامل فيها مع الآخر. الأيسر يتعامل مع المنطق والأرقام والتحليل وأجزاء الصورة، والأيمن مع الخيال والألوان والمشاعر والصورة الكبيرة. فالجانبان -كما يقول مؤلف كتاب (عقل جديد كامل)- يعملان معا في تناغم وانسجام؛ كقسمين من فريق أوركسترا، سوف يبدو عزفه بشعا لو أن أحدهما جمع آلاته وانصرف.

وهو ما ينبغي مراعاته على المستوى العملي في حياتنا، أي إعمال كلا النصفين من الدماغ. فقوة التخيل في الجانب الأيمن لا تقل أهمية عن قوة المنطق في الأيسر، إن لم تتفوق عليها.

” في أولمبياد عام 1980، قام الفريق الروسي باستخدام طريقة التدريب هذه، فقسم الفريق عشوائيا إلى أربع مجموعات: المجموعة الأولى: 100% تدريب تقليدي جسدي. المجموعة الثانية: 75% تدريب تقليدي جسدي، و25% تدريب عقلي أو تخيلي. المجموعة الثالثة: 50% تدريب تقليدي جسدي، و50% تدريب عقلي أو تخيلي. المجموعة الرابعة: 25% تدريب تقليدي جسدي، و75% تدريب عقلي أو تخيلي. والنتيجة كانت أن المجموعة الرابعة حققت أكبر قدر من أوسمة الفوز”.

وللحديث بقية..

دمتم بحب .. جمعة مباركة .. أحبكم جميعا.

دقيقة تأمل 08/04/2015

بقلم الأستاذ: بدر الشبيب

8-4-2015

المريض يفكر أكثر ما يفكر بالشفاء والعافية. يدعو لنفسه بها، ويلتمس من الآخرين الدعاء له، ويبذل من أجل عودة صحته الغالي والنفيس. والسجين أكثر ما يشغل باله إطلاق سراحه ونيل حريته، ليعود لممارسة حياته بشكل طبيعي كما الآخرين.

فلماذا حين جاءت لحظة الفرج المرتقبة، وفُتح باب السجن لذلك السجين الذي لبث في السجن بضع سنين، امتنع عن الخروج، وفضّل البقاء فيه، مشترطا تبين حال التهمة التي وجهت إليه وسُجن على أساسها؟

يقول تعالى في شأنه: (وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ).

فبرغم سنوات السجن المرة، وبرغم شوقه الفطري للحرية، كان في اللحظة الحاسمة قادرا على اتخاذ القرار الصائب المبني على قيمه ومبادئه. فلم يكن مأخوذا بنشوة الإفراج عنه بحيث يتخلى ولو للحظة عن تلك القيم والمبادئ. وهذا سلوك لا يقدر عليه إلا أصحاب النفوس الكبيرة والهمم العالية الذين لا تغيب مبادئهم وقيمهم عنهم أبدا.

إن التأمل في رد يوسف (عليه السلام) على رسول الملك يكشف عن بعض الجوانب العظيمة في شخصيته الكريمة. فهو لم يذكر امرأة العزيز التي كانت وراء الاتهام الباطل له وتشويه سمعته، ومن ثم إدخاله السجن ظلما وعدوانا وبقائه فيه شطرا من عمره الشريف، وإنما اكتفى بالإرشاد إلى دليل براءته الدامغ، مؤكدا على يقينه الثابت بعلم الله بكيد النسوة اللاتي قطعن أيديهن.

لم يكن مهما عنده أن يخرج من السجن بأي ثمن. بل كان يسعى للخروج بشهادة براءته الكاشفة عن نقاء سيرته، إدراكا منه لأهمية ذلك في استمرار مهمته الرسالية في مجتمعه.

في لحظات الاختيار الصعبة تتبين معادن الناس، فيفترقون بين منفعل ينسيه انفعاله كل شيء سوى الحدث الراهن، وبين فاعل لا يستغرقه ذلك الحدث، لأنه يبقى في كل الحالات مستغرقا في قيمه.

 

 

دقيقة تأمل – الإرادة

بدر الشبيب 7-4-2015

أن يستبد بك الظمأ، فتشتهي قطرة من الماء تبل بها الجفاف المكتظ في فمك، ثم تبلغ النهر، فيغريك منظره العذب وماؤه الأعذب أن تشربه كله لو استطعت، وأن تغمر كل خلية منك فيه؛ ولكنك تقرر فجأة أن لا تشرب، أو أن تأخذ منه غُرفة واحدة فقط لا تسد رمق ظمئك، ولكنها شربة المضطر.

هذا ليس خيالا، بل هو حقيقة تحدث عنها القرآن الكريم في قصة طالوت وقومه: (فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ).

نفر قليل نجحوا في الامتحان العسير، فما الذي مكنهم من اجتيازه؟ الجواب يمكن أن يكون في ثلاثة أمور:

حضور سلم القيم لديهم. فهؤلاء لديهم قيم تحكم سلوكهم، وهي مرتبة حسب أولويتها وأهميتها، مما يجعل قرار الاختيار ممكنا وإن كان يبدو مستحيلا. فالقيمة الأعلى مقدمة على الأدنى منها رتبة في حال التزاحم.

 حضور المستقبل الغائب في أذهانهم، لأنهم بقوة الخيال يصلون إليه ويعيشون فيه وإن كان بعيدا. وبالتالي لا تستغرقهم اللحظة الراهنة، فالآجل الذي لم يأتِ بعد لا يغيب عن أبصار بصائرهم.

حضور الإيمان الراسخ بغاياتهم المنشودة، وأنها تستحق التضحية فعلا.

الإرادة هي التي تجعل الإنسان إنسانا، وهي سر تميزه عن غيره من المخلوقات، وقوتها سر نجاح الناجحين.