إنحناء نخلة

إنهما النخلتان الباسقتان.  ها هما تذبلان وتنحنيان. وتبدأ سعفاتهما الخضر بالاصفرار. نسمات الهواء الناعمة. كفيلة بإسقاط سعفة في كل يوم. وأنا ليس لي إلا الوقوف وعد هذه السعفات. لأجد بأن جزءا منها تمثل سنين عمري التي قضيتها تحت ظلهما. تسقط بعدها دمعاتي لتروي تلك النخلتين. علهما تعودان نخلتين شامختين. أنظر بعدها للأعلى. إلى ماتبقى من سعفاتها. فيصيبني الخوف والوجل الذي يؤرق منامي في كل ليلة. أعود بعد أيام لنفس الفعل. لأجد بأن ماسقط من سعفات أصبح في ازدياد. وانحنت النخلتان راكعتين حتى لكأنهما تلامسان الأرض.

جدتاي. واحدة لأبي والأخرى ﻷمي. هاهما تعيشان أيام أرذل العمر. وتبدأ شمسهما بالأفول. قاتل هو الشعور بقرب الظلام. مؤلم هو النوم وأنت تعلم أنهما تصارعان الوجع.
جدتي لأبي. مذ عرفتها ولسانها لهج بذكر خالقها. لاتجيد إلا قراءة كتاب الله. اسأل سور الكتاب عن عدد المرات التي مرت عليها. اسأل سكون الفجر عن صوتها وهي تقرأ دعاء الصباح.
في كل صباح كنت أرى يديها متكأتين على كرسي القرآن و نظارتها مرخية على أنفها. أما اليوم فأراها تضع إحدى يديها بين خدها والوسادة والأخرى على طرف سريرها.  ولازال لسانها لهج بذكر الله.

جدتي لأمي.سيدة الكبرياء والعظمة. حنونة بقدر قسوتها. عشت معها سنين عمري الستة والثلاثين. لا أكاد أفارقها أكثر من يومين حتى أعود لتقبيل رأسها المصبوغ بالحناء. تعاتبني على غيابي بقسوة. ولكن سرعان ماتعود لتقبيلي عشر قبل اعتدتها. وبين كل قبلة وأخرى تشم خدي لتشعرني بقدر حبها لي.
اليوم. لاتسمع منها سوى صوت أنفاسها المتعبة. مستلقية على سريرها الأبيض بلا حراك. عينان غائرتان. جسد نحيل. كل يوم يمر عليها يسرق من عمرها سنينا. في آخر زيارة لي. دخلت عليها غرفتها التي قضت فيها أجمل سنين حياتها. كانت تنظر ناحية الجدار. قبلت رأسها وناديتها (أماه). فما سمعت غير الأنفاس تناديني وبقيت تنظر للجدار وكأن حديثا يدور بينهما. أمسكت يدها فأحسست بدفئ حنانها. وخرجت والقلب ينزف دموعا أجبرتني على السكوت والدخول في حالة ذهول وحزن.

جدتاي. أشتاق لكل قطعة حلوى كنتما تخبئانها لي. لكأس الحليب الساخن بالزعفران. لدرس الصلاة . أشتاق لقلقكما علي أثناء غيابي.
ماحيلتي. وماعساي أفعل. وأنا الذي لا أملك لكما نفعا سوى الدعاء.
إنهما النخلتان الباسقتان. كلما إزداد انحناؤهما ازداد وجعي وأنيني. وزاد اشتياقي وحنيني.

الإعلانات

جدتي….. عندما تغيب الذكريات

جدتي.... عندما تغيب الذكريات

جدتي…. عندما تغيب الذكريات

كالطفل الوديع وجدتها، تحاول استذكار ماحدث قبل أيام وليس قبل سنين، ترفض الإعتراف بأنها في خريف العمر، وبأن القطار قد قرب على الوصول إلى نهاية الطريق.

هي جدتي التي لطالما اعتدت على كبريائها وجبروتها، ولكنها لم تخلو من الحنان أبدا.  هاهي اليوم تعود كطفل صغير ينظر مرة ذات اليمين وتارة ذات الشمال، وكأن الفضاء كله غريب عليها. حتى غرفة نومها التي قضت فيها جل حياتها صارت لا تتذكر مكانها. قبل أيام قليلة أقبلت على رأسها المغطى بالشعر الأبيض المختلط بحمرة الحناء، وقبلته القبلة المعتادة مذ فطنت أنها (أمي الكبيرة) وأن علي أن أقبل ذاك الرأس لأنه لصاحبة الفضل علي في تعلم صلاتي التي هي عماد ديني. بعد تلك القبلة، نَظَرَت إلي نظرة المحتار، وسألتني: من أنت؟!……..، نظرتُ إليها نظرة تعجب واستغراب، فأنا الذي لا أفارق منزلها أبدا، وتسألني من أكون؟، قلت لها أنا حفيدك وابن بنتك، فبدأت بسؤالي إن كنت متزوجا، وهي التي قبلتني وزوجَتي قبلات الفرح والتبريك. نظرتُ إلى عينيها الذابلتين، فوجدتهما حائرتان تحاولان استرجاع الذكريات مع ذلك الفتى الصغير الذي لطالما حملته على أكتافها وأطعمته بيديها واعتنت به حتى كبر.

بعد أن قضيت معها بعض الوقت وانا أحدثها كما أحدث الأطفال، وأستميلها وأمسح على يديها، علّها تتذكر ملمس اليد التي قبضت على إصبعها وهي تداعبني صغيرا. قبلت ذات الرأس وغادرت المكان وهي لازالت تنظر إلي نفس النظرات، وكأني بلسان حالها يقول (ليتني أتذكر من تكون؟). أحسست حينها بأن الفضاء بما رحب قد ضاق علي، فعزيز علي أنا أراها بهذا الحال ولا أملك لها نفعا. فتلك هي سنة الحياة. فمن ضعف إلى قوة إلى ضعف.

جدتي العزيزة، رغم حزني لحالك ولكنني أغبطك، فأنت الآن لاتعين مايحدث هذه الأيام في العالم من خراب ودمار، صار دم الآدمي كرخص الماء، إن لم يكن أرخص منه. باتت الرحمة في قلوب البشر شيئا نادر الوجود لانجده إلى عند جيل الطيبين أمثالك. صارت المدافع والقنابل لغة يتحدث بها من اختلف معه بالرأي. القلوب البيضاء التي كانت سمة جيلكم اصطبغت اليوم بالسواد.

جدتي… إن غابت عنك الذكريات….. فلا زلت أحتفظ بما يكفي منها لأن أنحني كل يوم لأقبل رأسك وأدعو الله لك بالصحة والعافية

بقلمي المتواضع