جدتي….. عندما تغيب الذكريات

جدتي.... عندما تغيب الذكريات

جدتي…. عندما تغيب الذكريات

كالطفل الوديع وجدتها، تحاول استذكار ماحدث قبل أيام وليس قبل سنين، ترفض الإعتراف بأنها في خريف العمر، وبأن القطار قد قرب على الوصول إلى نهاية الطريق.

هي جدتي التي لطالما اعتدت على كبريائها وجبروتها، ولكنها لم تخلو من الحنان أبدا.  هاهي اليوم تعود كطفل صغير ينظر مرة ذات اليمين وتارة ذات الشمال، وكأن الفضاء كله غريب عليها. حتى غرفة نومها التي قضت فيها جل حياتها صارت لا تتذكر مكانها. قبل أيام قليلة أقبلت على رأسها المغطى بالشعر الأبيض المختلط بحمرة الحناء، وقبلته القبلة المعتادة مذ فطنت أنها (أمي الكبيرة) وأن علي أن أقبل ذاك الرأس لأنه لصاحبة الفضل علي في تعلم صلاتي التي هي عماد ديني. بعد تلك القبلة، نَظَرَت إلي نظرة المحتار، وسألتني: من أنت؟!……..، نظرتُ إليها نظرة تعجب واستغراب، فأنا الذي لا أفارق منزلها أبدا، وتسألني من أكون؟، قلت لها أنا حفيدك وابن بنتك، فبدأت بسؤالي إن كنت متزوجا، وهي التي قبلتني وزوجَتي قبلات الفرح والتبريك. نظرتُ إلى عينيها الذابلتين، فوجدتهما حائرتان تحاولان استرجاع الذكريات مع ذلك الفتى الصغير الذي لطالما حملته على أكتافها وأطعمته بيديها واعتنت به حتى كبر.

بعد أن قضيت معها بعض الوقت وانا أحدثها كما أحدث الأطفال، وأستميلها وأمسح على يديها، علّها تتذكر ملمس اليد التي قبضت على إصبعها وهي تداعبني صغيرا. قبلت ذات الرأس وغادرت المكان وهي لازالت تنظر إلي نفس النظرات، وكأني بلسان حالها يقول (ليتني أتذكر من تكون؟). أحسست حينها بأن الفضاء بما رحب قد ضاق علي، فعزيز علي أنا أراها بهذا الحال ولا أملك لها نفعا. فتلك هي سنة الحياة. فمن ضعف إلى قوة إلى ضعف.

جدتي العزيزة، رغم حزني لحالك ولكنني أغبطك، فأنت الآن لاتعين مايحدث هذه الأيام في العالم من خراب ودمار، صار دم الآدمي كرخص الماء، إن لم يكن أرخص منه. باتت الرحمة في قلوب البشر شيئا نادر الوجود لانجده إلى عند جيل الطيبين أمثالك. صارت المدافع والقنابل لغة يتحدث بها من اختلف معه بالرأي. القلوب البيضاء التي كانت سمة جيلكم اصطبغت اليوم بالسواد.

جدتي… إن غابت عنك الذكريات….. فلا زلت أحتفظ بما يكفي منها لأن أنحني كل يوم لأقبل رأسك وأدعو الله لك بالصحة والعافية

بقلمي المتواضع

الإعلانات